لما رجعلي عمري الفصل الأول — رجعت قبل ما أضيّع عمري في حياتي الأولى، يوم فرح ابني، وقفت بره القاعة. ما حدش منعني بالكلام… بس نظراتهم كانت كفاية. جوزي السابق، حسام عبدالعزيز، كان واقف جنب عروسته الجديدة. نورا الشافعي. الست اللي فضل طول عمره يقول إنها مجرد صديقة قديمة. بصيت لابني ياسين، مستنية يجري عليا زي كل مرة. لكنه قرب مني وقال ببرود: — إنتِ جاية هنا ليه يا أمي؟ ضحكت وأنا بحاول أتماسك. — جاية فرح ابني. بصلي من فوق لتحت. — بصي لنفسك. سكت. قال: — إنتِ أصلًا مش مناسبة لأبويا. وأشار لنورا. — بابا وطنط نورا هما اللي مناسبين لبعض. الكلمة دي قتلتني. مش لأن حسام اختار نورا. لكن لأنه نسي إن الست اللي قدامه هي اللي قضت عمرها كله عشانه. أنا سلمى عبدالسلام. أمه. الست اللي ضحت بشغلها. وحياتها. وشبابها. وأحلامها. عشان جوزها وابنها. وفي آخر عمري… اكتشفت إني كنت عايشة حياة مش بتاعتي. غمضت عيني وأنا واقفة قدام القاعة. ولما فتحتها… كنت في أوضتي القديمة في بيت أبويا في المنصورة. قعدت على السرير وأنا مش فاهمة. إيدي كانت ناعمة. شعري أسود. ركبي مش بتوجعني. بصيت للتقويم. 1975. اتجمدت. أنا رجعت بالزمن. رجعت أربعين سنة. قبل ما أتجوز حسام. قبل ما أخسر شغلي. قبل ما أخلف ياسين. وقبل ما أقضي عمري كله في انتظار حب مش جاي. سمعت خبط على الباب. دخل حسام. شاب في أواخر العشرينات، لابس بدلته العسكرية. نفس الوش اللي قضيت عمري أحاول أرضيه. حط ورقة قدامي. — سلمى. بصيت له. — خير؟ — أنا سحبت طلب الجواز. ابتسمت. — تمام. استغرب. — تمام؟ — أيوه. — مفيش حاجة هتقوليها؟ — لأ. لأني كنت عارفة الحقيقة. في حياتي الأولى، حسام سحب الطلب عشان أتنازل عن وظيفة كانت نورا نفسها فيها. المرة دي… مش هطلب منه حاجة. في اليوم التالي رحت مجلس المدينة. وقلت: — أنا هتنازل عن الوظيفة. الموظف اتفاجئ. — دي آخر وظيفة في المنطقة. — عارفة. — وقريبة من مكان خدمة حسام. — عارفة. — متأكدة؟ وقعت الورقة. — جدًا. خرجت من المجلس وأنا حاسة إني لأول مرة في حياتي بختار نفسي. رجعت البيت. لقيت أمي محضرة الغدا. وأبويا منظف الحوش. وأحسن ملاية متفرودة. كل ده عشان حسام جاي. دخل حسام. أمه كانت معاه. وقالت: — الجواز هيتأجل. أبويا اتضايق. — وبنتي؟ قالت: — القوات المسلحة مش مكان بنتك تجري ورا ابني فيه. ابتسمت. — عندك حق. حسام بصلي. — إنتِ موافقة؟ — جدًا. — وإنتِ مش زعلانة؟ — لأ. طلعت الورقة. — أنا كمان تنازلت عن الوظيفة. حسام اتغير وشه. دخل ورايا الأوضة. — إنتِ بتعملي إيه؟ — ولا حاجة. — بتضغطي عليا؟ ضحكت. — إنت فاكر نفسك مهم للدرجة دي؟ اتصدم. كملت: — أنا مش عايزاك يا حسام. خرجت الجملة لأول مرة من قلبي. — خطوبتنا انتهت. --- الفصل الثاني — السر اللي رجع معايا بعد يومين، خرجت أتمشى على كورنيش النيل. وهناك شفت حسام. مع نورا. إيديهم متشابكة. أول ما شافني ساب إيدها. — سلمى! ابتسمت. — الراديو اتصلح؟ اتوتر. نورا قالت بسرعة: — إحنا مجرد أصحاب. بصيت لإيدها. — أصحاب؟ وسبتهم ومشيت. لكن حسام لحقني. — إنتِ بتلعبي لعبة؟ لفيت له. — لأ. — طيب ليه مش فارق معاكي؟ — لأنك مش فارق معايا. الجملة وجعته. لكن دي كانت الحقيقة. رجعت البيت. وفي اليوم التالي بدأت شغلي في مصنع الغزل والنسيج. كنت بتعلم كل حاجة. لحد صباح يوم… عربية إمدادات عسكرية خبطت في مطب. بابها اتفتح. وخنزير أسود نط منها وجري ناحيتي. جريت. وقعت في ترعة. المية غطتني. وفجأة… إيد قوية سحبتني. كان جندي شاب. — إنتِ كويسة؟ بصيت له. عمر فؤاد. عرفته. في حياتي الأولى، كان أول شخص ساعدني وأنا منهارة. لكنه ظهر وقتها بعد فوات الأوان. دلوقتي ظهر وأنا لسه في بداية حياتي. مد لي جاكته. — البسي ده. قلت: — لو الناس شافتنا مع بعض؟ قال فورًا: — أنا أتحمل المسؤولية. ضحكت. — إنت حتى ما تعرفنيش. قال بهدوء: — أنا أعرفك أكتر مما تتخيلي. قبل ما أسأله… وصل ضابط بعربية. مد لي ظرف. — ده ليكي. فتحته. كانت جواه صورة قديمة. أبويا. واقف جنب رجل غريب. وتحتها: "لو سلمى شافت الصورة، يبقى السر اللي أخفاه أبوها أربعين سنة لازم يظهر." رفعت عيني. عمر بص للصورة. قال: — الراجل اللي في الصورة… سكت. — هو والد حسام. اتجمدت. --- الفصل الثالث — أبويا كان مخبي إيه؟ رجعت البيت وأنا مش شايفة قدامي. دخلت على أبويا. حطيت الصورة قدامه. وشه اتغير. — جبتِ الصورة دي منين؟ — يعني تعرفه؟ سكت. صرخت: — مين الراجل ده يا أبويا؟ أمي بدأت تعيط. أبويا قعد على الكرسي. — ده اسمه عبدالعزيز. — أبو حسام؟ هز راسه. — أيوه. — وإيه اللي بينكم؟ فضل ساكت. قلت: — أنا عايزة الحقيقة. تنهد. — قبل ما تتولدي، أبو حسام كان شريكي في تجارة القطن. — وبعدين؟ — حصلت مشكلة. — سرقة؟ — لأ. — خيانة؟ بصلي. — هو سرق فلوس ناس كتير، وحاول يحط التهمة عليا. اتصدمت. — وإنت عملت إيه؟ — قدمت المستندات للنيابة. — واتسجن؟ — أيوه. — وحسام يعرف؟ — معرفش. قعدت جنبه. — ليه ما قلتليش؟ قال: — لأن الموضوع انتهى. لكن أنا كنت عارفة إنه ما انتهيش. لأن في حياتي الأولى… حسام كان دائمًا بيكره أبويا. وكنت فاكرة إن السبب خلافات عائلية. لكن الحقيقة كانت أكبر. في نفس الليلة وصلني جواب. "لو عايزة تعرفي مين قتل الشاهد الوحيد في ق.ضية أبو حسام… اسألي جوزك المستقبلي." اتجمدت. جوزي المستقبلي؟ حسام؟ --- الفصل الرابع — نورا مش بريئة في اليوم التالي، بدأت أراقب نورا. مش عشان أغار. لكن عشان أفهم. اكتشفت إنها كانت بتزور والد حسام قبل موته. وإنها كانت تعرف تفاصيل الق.ضية. الأغرب… إنها كانت على اتصال برجل اسمه شوقي. شوقي كان موظف قديم في شركة أبو حسام. واجهته. — إنت تعرف نورا؟ ارتبك. — أعرفها. — وكانت بتسأل عن قض.ية عبدالعزيز؟ سكت. وبعدين قال: — نورا مش هي المشكلة. — أمال مين؟ قرب مني وقال: — المشكلة إن حسام نفسه كان عارف إن أبوه مذنب. رجعت البيت وأنا مصدومة. حسام كان عارف. وفي نفس الليلة… لقيته واقف قدام البيت. — سلمى. — عايز إيه؟ — نتكلم. — عن إيه؟ — عن أبويا. قلبي دق. — إنت عارف؟ قال: — عارف كل حاجة. — من إمتى؟ — من سنين. — ونورا؟ سكت. قلت: — إيه علاقتها؟ حسام بص للأرض. — نورا كانت بتحاول تلاقي مستند يثبت براءة أبويا. ضحكت بمرارة. — وإنت مصدقها؟ — مش عارف. — وإنت عايز تتجوزها؟ قال: — كنت فاكر إنها بتحبني. بصيت له. — وأنا؟ — إنتِ كنتِ بتحبيني. — وده كان كفاية؟ سكت. قلت: — أنا مش هبقى البديلة. ومشيت. --- الفصل الخامس — عمر يدخل حياتي عمر بدأ يظهر في حياتي. مش بطريقة مزعجة. كان يساعدني في المصنع. يعرفني على ناس. يساعدني أتعلم الحسابات. وفي يوم قال: — إنتِ عندك عقل تجاري. ضحكت. — أنا مجرد عاملة في مصنع. — لأ. — إنتِ شايفة نفسك صغيرة. — بس إنتِ مش صغيرة. الكلمة دي فضلت في بالي. لأول مرة راجل يشوفني كإنسانة. مش كزوجة. مش كأم. مش كحد لازم يخدم غيره. بعد فترة، المصنع أعلن عن مسابقة لتطوير خط إنتاج جديد. دخلت. اشتغلت ليل نهار. وقدمت اقتراحًا لتقليل هدر الخيوط. وفزت. المكافأة كانت كبيرة. بدأت أستخدم فلوسي في شراء معدات صغيرة. وبمساعدة أبويا، فتحت ورشة نسيج صغيرة. كانت البداية بسيطة. لكن الورشة كبرت. وبدأت الستات في البلد تشتغل معايا. أما حسام… فبدأ يلاحظ إني اتغيرت. --- الفصل السادس — حسام يرجع ظهر قدام الورشة. — إنتِ بقيتي صاحبة شغل؟ ابتسمت. — الحمد لله. — كل ده في سنتين؟ — أيوه. — وإنتِ مبسوطة؟ — جدًا. قال: — أنا غلطت. بصيت له. — في إيه؟ — في حقك. — متأخر. — ممكن نرجع؟ ضحكت. — نرجع لإيه؟ — للخطوبة. — أنا اتغيرت يا حسام. — وأنا كمان. — لأ. هزيت راسي. — إنت لسه شايفني الست اللي هتستناك في البيت. سكت. قلت: — أنا مش الست دي. في نفس اللحظة ظهر عمر. حسام بص له. — ده مين؟ قلت: — عمر فؤاد. حسام اتضايق. — بينكم إيه؟ ابتسمت. — مفيش حاجة. وبعدين بصيت لعمر. — لسه. حسام فهم. ومشي غاضب. --- الفصل السابع — الخيانة الحقيقية نورا ظهرت فجأة عند الورشة. كانت بتعيط. — سلمى، أنا محتاجة مساعدتك. — في إيه؟ — حسام في خطر. اتوترت. — إيه الخطر؟ قالت: — شوقي سرق مستندات من الشركة القديمة. — وبيريد يبتز حسام. — ليه؟ — لأن حسام اكتشف إن أبوه ما كانش بريئًا. بصيت لها. — إنتِ عايزة إيه مني؟ طلعت ظرف. — المستندات دي عندي. فتحت الظرف. كانت أوراق تثبت إن والد حسام فعلًا ارتكب الجري.مة. لكن فيه ورقة تانية… صدمتني. توقيع حسام. تاريخ التوقيع كان قبل موت والده بأيام. يعني حسام كان شريكًا في إخفاء الحقيقة. قلت: — إنتِ كنتي بتخبي ده؟ نورا انهارت. — كنت بحميه. — بتحمي مجرم؟ قالت: — لأ. — كنت بحمي حسام من أبوه. سكت. ثم قالت: — أبو حسام كان بيهدده. — وحسام كان خايف. — وأنا الوحيدة اللي وقفت جنبه. فهمت. نورا ما كانتش مجرد شريرة. لكنها كانت مستعدة تعمل أي حاجة عشان حسام. --- الفصل الثامن — الحقيقة تظهر عمر ساعدني أوصل للمستندات الأصلية. وبدأنا نجمع الأدلة. لكن شوقي اكتشف الموضوع. وخطف أبويا. وصلني جواب: "لو عايزة أبوكي يرجع، هاتي الأوراق." كنت مرعوبة. لكن عمر قال: — مش هتروحي لوحدك. — دي مشكلتي. — من النهارده مش لوحدك. راح معايا. المقابلة كانت في مخزن قديم على أطراف دمياط. دخلنا. لقينا أبويا مربوط. وشوقي واقف. قال: — الورق. سلمته ظرف. لكن كان نسخة مزورة. في نفس اللحظة دخلت الشرطة. عمر كان بلغهم. شوقي حاول يهرب. لكن اتقبض عليه. وأبويا خرج. وبعد التحقيقات… ظهرت الحقيقة كاملة. والد حسام كان فعلًا متورطًا. لكن حسام نفسه لم يكن شريكًا في الجري.مة. التوقيع اللي في الورقة كان مزورًا. ونورا كانت بتخفي المستند لأنها كانت بتحاول تحميه. --- الفصل التاسع — آخر مواجهة مع حسام بعد ما الحقيقة ظهرت، حسام جه لي. كان وشه مكسور. — سلمى. — نعم؟ — أنا آسف. — على إيه؟ — على كل حاجة. — مش كفاية. — عارف. — إنت ضيعت سنين من حياتي في حياتنا الأولى. اتجمد. كملت: — وكنت فاكر إني هفضل مستنياك. — لكن المرة دي أنا اخترت نفسي. قال: — وعمر؟ بصيت له. — عمر عمره ما طلب مني أكون حد غير نفسي. سكت. قال: — بتحبيه؟ ابتسمت. — أيوه. ولأول مرة… حسام ما جادلش. قال: — ربنا يسعدك. ومشي. --- الفصل العاشر — اختيار جديد بعد سنة، كانت ورشتي بقت مصنع صغير. عشرات الستات اشتغلوا معايا. كنت بساعدهم يبدأوا حياتهم من جديد. وفي يوم، عمر دخل المكتب. حط قدامي علبة صغيرة. — إيه دي؟ — افتحيها. فتحتها. خاتم بسيط. بصيت له. — عمر… قال: — أنا مش عايز أتجوز الست اللي أنقذتها من النهر. — ولا الست اللي كانت مخطوبة لحسام. — أنا عايز أتجوز سلمى. سكت. قال: — الست اللي اختارت نفسها. دموعي نزلت. ضحكت. — وإنت متأكد؟ — لأول مرة في حياتي. — طب لو بعد الجواز اكتشفت إني عنيدة؟ ضحك. — أنا عارف. — ولو اكتشفت إني بحب الشغل أكتر من النوم؟ — هساعدك. — ولو… قاطعني: — سلمى. — نعم؟ — أنا مش جاي أشتريك. — أنا جاي أشاركك حياتك. ابتسمت. — موافقة. --- الفصل الأخير — المرة دي أنا اللي اخترت بعد شهور، وقفت قدام المراية بفستان بسيط. لكن المرة دي… ما كنتش عروسة بتدخل جواز عشان ترضي أهلها. ولا عشان وظيفة. ولا عشان تثبت إنها تستحق الحب. كنت عروسة عشان أنا اخترت. دخل عمر. ابتسم. — جاهزة؟ قلت: — جاهزة. مسك إيدي. وفي اللحظة دي افتكرت حياتي الأولى. افتكرت يوم وقفت بره قاعة فرح ابني. افتكرت كل مرة اخترت فيها غيري. كل مرة سكت. كل مرة قلت: "بكرة هيعرف قيمتي." لكن الحقيقة إن قيمتي ما كانتش محتاجة حد يعرفها. أنا اللي كان لازم أعرفها. خرجنا من البيت. وكان أبويا وأمي واقفين مستنيينا. أمي كانت بتعيط. وأبويا بيضحك. وعمر همس: — نروح؟ بصيت له. — نروح. وبعدها بسنين… كبر المصنع. وبقى عندي مئات العاملات. بقيت أساعد بنات كتير يتعلموا صنعة ويعتمدوا على نفسهم. وفي يوم، وصلتني دعوة لفرح حسام ونورا. ضحكت لما قريتها. مش غيرة. ولا وجع. مجرد إحساس إن الماضي أخيرًا بقى ماضي. روحت الفرح. مش كأم العريس. ولا كحبيبته السابقة. ولا كست اتنازلت عن حياتها عشانه. روحت كـ سلمى. الست اللي اختارت نفسها. ولما شافني حسام، ابتسم. قال: — مبسوطة؟ بصيت لعمر اللي كان واقف جنبي. وبعدين بصيت لحسام. — جدًا. قال: — ندمتي يوم سيبتيني؟ ابتسمت. — لأ. سكت. ثم قلت: — بالعكس. — ده كان اليوم اللي رجعت فيه لنفسي. مسكت إيد عمر. ومشيت. وأنا لأول مرة… ما كنتش ببص ورايا. لأني فهمت أخيرًا إن بعض الناس لما تخسرهم… مش بتخسر حياتك. بتستردها.