طليقي ساكن معايا اماني السيد 3
بصلت له بنظرة هادية جداً، نظرة غربة كاملة، وكأنه شخص ملهوش أي وجود في حياتي ولا في ذاكرتي. هو نزل رأسه للأرض بكسرة وعجز، وأخد بعضه ومشيت خطواته مهدودة ومكسورة في طريق تاني، يلملم خيبته وندمه اللي هيعيش بيه بقية عمره.
قفلت الستارة بهدوء، ولفت وشي لجوة البيت لما جرس الباب رن. فتح بابا الباب ورحب بآسر وأهله بأجمل ترحيب. قعدنا في الصالة، وكانت القعدة مليانة دفء، احترام، وأصول. آسر اتكلم مع بابا بكل رجولة ووضوح، طلب إيدي ورسم خطة المستقبل باحترام شديد، ووالدته كانت بتتبسم لي بحب وتقول لي: “من أول ما آسر حكى لي عنك، وانا عرفت إنه اختار صح.
. ربنا يسعدكم يا بنتي.”قرأنا الفاتحة، واتفقنا على كل حاجة بالود والتفاهم. ولما آسر جه يستأذن عشان يمشوا، قرب مني ووقف قصادي، وبص في عيني بابتسامة راقية وقدم لي علبة صغيرة فيها خاتم الخطوبة وقال لي بصوت دافئ جداً:ـ “توعديني يا أميرة..
إنك عمرك ما تفتكري أيام الوجع تاني، وإن البسمة دي مش هتفارق وشك طول ما أنا عايش؟”ابتسمت من كل قلبي، حاسة إن كل نقطة دموع نزلت مني زمان كانت ثمن لهدية ربنا دي، وقلت له بثبات ويقين:ـ “أوعدك يا آسر.
. لأن الصفحات القديمة أتقفلت خلاص، وأتجلدت بالنسيان.”خرج آسر وأهله، وقفت في وسط الصالة وأنا حاطة إيدي على الخاتم اللي في صابعي. أخدت نفس عميق أوي، نفس خالٍ من أي مرارة أو قهر. عرفت أخيرًا إن التجاهل اللي كان بيحاول يذلني بيه زمان، كان أكبر رحمة من ربنا عشان يفوقني، وإن كرامة البني آدم لما بيتصونها وما يرضاش ليها بالرخص، ربنا بيبدله عن كل لحظة صبر وجبر ورفعة رأس.
بصيت للشباك لآخر مرة، وابتسمت بثقة، وقعدت جنب أهلي أستقبل بداية عمري الجديد.



